أبي بكر جابر الجزائري
13
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ : أعطيناهم من النعم ما فيه بلاء مبين أي واضح كانفلاق البحر والمنّ والسلوى . معنى الآيات : ما زال السياق الكريم في قصة موسى عليه السّلام مع عدو اللّه فرعون عليه لعائن الرحمن قال تعالى : كَمْ تَرَكُوا « 1 » مِنْ جَنَّاتٍ أي كم ترك فرعون وجنوده الذين هلكوا معه في البحر أي تركوا كثيرا من الجنات اى البساتين والعيون الجارية فيها سقي الزروع ، وَمَقامٍ كَرِيمٍ أي منازل حسنة ومحافل مزينة بأنواع الزينة والمحفل مكان الاحتفال ، وَنَعْمَةٍ « 2 » أي متعة عظيمة كانُوا فِيها فاكِهِينَ أي ناعمين مترفين وقوله تعالى : كَذلِكَ « 3 » هكذا كانت نعمتهم فسلبناهما منهم لكفرهم بنا وتعاليهم على شرائعنا وأوليائنا ، وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ « 4 » هم بنو إسرائيل إذ رجعوا إلى مصر بعد هلاك فرعون . وقوله تعالى : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ ، لأنهم كانوا كافرين لم يعملوا على الأرض خيرا ولم يعرج إلى السماء من عملهم خير فلم يبكون إنما يبكى المسلم تبكيه الأرض التي كان يسجد عليها ويعبد اللّه تعالى فوقها وتبكيه السماء التي كان كل يوم وليلة يصعد إليها عمله الصالح ، وقوله وَما كانُوا مُنْظَرِينَ أي ممهلين بل عاجلهم الرب بالعقوبة ، ولم يمهلهم علهم يتوبون لعلم اللّه تعالى بطبع قلوبهم وكم واعدوا موسى إن رفع عنهم العذاب يؤمنون ، وما آمنوا . وقوله تعالى وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ هذه بعض أياديه على بني إسرائيل وهي أنه نجاهم من العذاب المهين الذي كان فرعون وقومه يصبونه عليهم إذ كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم للخدمة والامتهان وأي عذاب مهين أكبر من هذا ؟ مِنْ فِرْعَوْنَ أي من عذاب فرعون الذي كان ينزله بهم إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ أي كان فرعون جبارا طاغيا من المسرفين في الكفر والظلم . وقوله تعالى وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ أي بني إسرائيل على علم أي منا على العالمين أي عالمي زمانهم من الثقلين الإنس والجن ، وقوله تعالى : وَآتَيْناهُمْ أي أعطيناهم من الآيات ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ « 5 » أي اختبار عظيم ومن تلك الآيات انفلاق البحر ،
--> ( 1 ) كَمْ للتكثير كرب للتقليل غالبا . ( 2 ) النعمة بفتح النون التنعيم يقال نعمه فتنعم . والنعمة بالكسر اليد والصنيعة والمنّة وما أنعم به على المرء ومثلها النعماء والنعمى . ( 3 ) كذلك قيل الأمر كذلك فيوقف على كذلك وقيل كذلك أفعل بمن عصاني أو كذلك كان أمرهم . ( 4 ) يرى بعضهم أن المراد بقوم آخرين أنهم غير بني إسرائيل وإنما هم من الأقباط أهل مصر أنفسهم لأن بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر بعد أن خرجوا منها مستدلا بأن اللّه تعالى قال وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ ولم يقل ( ولقد نجيناهم ) فيعود الضمير على بني إسرائيل لكن في آية الشعراء قال تعالى كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ فهذا نص صريح وطريق الجمع أن يقال إن بني إسرائيل بعد موت موسى وانتصارهم على الكنعانيين والعمالقة وإقامة دولة في فلسطين دخلوا مصر وحكموها أما على عهد سليمان فإنهم حكموا غالب المعمورة وهذا وجه الجمع واللّه أعلم . ( 5 ) في هذا البلاء المبين أربعة أوجه ذكرها القرطبي وهي نعمة ظاهرة - عذابه شديد - اختبار يتميز به الكافر من المؤمن - ابتلاء بالشدة والرخاء .